الشعر العربي

قصائد بالعربية

من أنا, دون منفى؟

غريبٌ على ضفة النهر, كالنهر… يَرْبِطُني
باسمك الماءُ . لا شيءَ يُرْجعُني من بعيدي
إلى نخلتي : لا السلامُ ولا الحربُ . لا
شيء يُدْخِلُني في كتاب الأَناجيلِ . لا
شيء… لا شيء يُومِضُ من ساحل الجَزْر
والمدّ ما بين دجْلَةَ والنيل. لا
شيء يُنْزِلُني من مراكب فرعون. لا
شيء يَحْملني أو يُحَمِّلني فكرةً : لا الحنينُ
ولا الوَعْدُ . ماذا سأفعل ؟ ماذا
سأفعل من دون منفى, وليلٍ طويلٍ
يُحَدِّقُ في الماء؟

يربطُني
باُسمكِ
الماءُ………
لا شيء يأخذني من فراشات حُلْمي
إلى واقعي: لا الترابُ ولا النارُ . ماذا
سأفعل من دون وَرْدِ سَمَرْقَنْدَ ؟ ماذا
سأفعل في ساحةٍ تصقُلُ المُنْشدين بأحجارها
القمرَّيِة؟ صِرْنا خَفِيفَيْنِ مثلَ منازلنا
في الرياح البعيدةِ . صرنا صَدِيقَيْنِ للكائنات
الغريبةِ بين الغيوم…. وصرنا طَلِيقَيْنِ من
جاذبيَّة أْرضِ الهُوِيَّةِ . ماذا سنفعل… ماذا
سنفعل من دون منفى, وليلٍ طويلٍ
يُحَدِّقُ في الماء؟

يربطني
باُسمك
الماءُ…
لم يبقَ سواكِ , ولم يبق منك
سوايَ غريباً يُمَسِّدُ فَخْذَ غريبِتِه : يا
غريبةُ! ماذا سنصنع في ما تبقَّى لنا
من هُدُوءٍ … وقَيْلُولَةٍ بين أسطورتين؟
ولا شيء يحمِلُنا : لا الطريقُ ولا البيتُ.
هل كان هذا الطريق كما هُوَ’ منذ البداية,
أَم أَنَّ أَحلامنا وَجَدَتْ فرساً من خيول
المَغُول على التلِّ فاُسْتَبْدَلَتْنا ؟
وماذا سنفعلُ؟
ماذا
سنفعلُ
من
دون
منفى؟


من أنا, دون منفى؟ - محمود درويش