الشعر العربي

قصائد بالعربية

غبار القوافل

نحن للنسيان. قد جئنا لتقديم المدائحْ
لإلهٍ فَرَّ من خيمتنا
واختفى حين خرجنا نجمع الصيد لَهُ

لا تخافوا يا أهالي الجبل العالي
فلن نمكث إلاّ ليلتينْ
معنا ماءٌ، وخبزٌ, وهواءٌ. معناْ أصواتُنا,
معنا ما يقطع الريح إلى نصفين.. يا أهل الجبلْ

نحن لم ندخلْ ولم نخرجْ. ولكن سوف نرمي
قُوَّةَ الأشياء. هل مُتنا كثيراً لتخافوا موتنا
هل رسمنا صورة الوحش على الكهف لكي نألفهُ؟
فاحرسوا أشجاركم من غيمةٍ طارت وراء القافلهْ
نحن لا ندخل أو نخرج… يا أهل الكهوف.

نحن لا نُشبه أسلاف القصصْ.
نحن للنسيان حارَبْنا كثيراً خوفَكُمْ في خوفنا
تابعوا, يا أهل هذا الساحل المكسور، حرب الاعتذار
عن نباتٍ شَبَّ في قاماتنا حينَ مَرَرْنا بينكُمْ
تابعوا سهرتكم, أو زوِّجوا عذراءكم للجنرال
فلقد تنجب جنساً ثالثاً للكرنفال

نحن للنسيان لن نبقى طويلاً ههنا,
لن ندُقَّ الطبل, لن نزعجكم، لن تسمعوا أحلامنا
لن نُطيلَ النوم في قريتكم, لن نقطف الوردة من بستانكمْ
لن نُصلِّي معكم, لن نُقْلقَ الربَّ الذي يختاركم شعباً على صورته
نحن لن نترك في ساحاتكم قطرة دمْ
وسنمضي قبل أن تستيقظوا من نومكم
قبل أن يدخل كسرى أو سواهُ

لا تخافوا يا أهالي هذه الصحراء منَّا
نحن لا ننشُدُ شيئاً . نحن لن نبعث فيكم مرّةً أُخرى نبيّاً
هذه أصنامكم فلتعبدوها مثلما شئتم كُلُوا التَمْرَ كُلوا أسماءَنا
نحن لا نأتي لنبقى نحن لا نمضي لكي نرجع. لكنَّ الرياحْ
أوقعتنا خطأً في حَيَّكُمْ, فلتذبحوها بالسيوف الصدئهْ
واحرسوا زوجاتِكم من طائر الفينيق في أجسادنا
واحفظوا الرملَ من العشب الذي يسقطُ من ألفاظنا سهواً عليكم,
واحرسوا نخلتكم من ظلِّنا الطائر, وانسونا, وناموا آمنين.

نحن للنسيان. قد جئنا لتقديم الذبائحْ
لإلهٍ فرَّ من خيمتنا
واختفى، حين خرجنا نُوقد النار لَهُ
نحن للنسيان. إن جئنا إلى النهر حملناهُ يداً للأغنية
وإذا جئنا إلى الحقل فتحناهُ مدىِّ للأغنية
كُلُّ صوتٍ يحفرُ الصخرة – نحن
كُلُّ نايٍ لم يجدْ أنثاهُ – نحنُ
كُلُّ حُلْمٍ لم يجد حالِمَهُ الأوِّلُ – نحنُ
نحن جمهوريَّة النسيان, لم نخرج, وللنسيان نحنُ.


غبار القوافل - محمود درويش