الشعر العربي

قصائد بالعربية

سنختارُ سوفوكليس

إذا كانَ هذا الخَريفُ الْخَريفَ النِّهائيَّ، فَلنَعْتَذِرْ
عَنِ الْمَدِّ والْجَزْرِ في الْبَحْرِ والْذِّكْرَياتِ.. وَعَمَّا صَنَعْنا
بإخْوَتِنا قَبْلَ عَصْرِ النُّحاسِ: جَرَحْنا كثيراً مِنَ الكائناتِ
بأسْلِحَةٍ صُنَعَتْ مِنْ هَياكلِ إخْوتِنا كَي نَكونْ
سُلاَلَتَهُمْ قُرْبَ ماءِ الْيَنابيعِ, ولْنَعْتَذِرْ
لأَهْلِ الغَزالةِ عَمّا صَنعْنا بِها قُرْبَ ماءِ الْينابيع، حِين
تَدَفَّقَ خَيْطٌ مِنَ الأَرْجُوانِ على الماءِ، لم نَنْتَبِهْ أَنَّهُ دَمُنا
يُؤرِّخُ سِيْرتَنا في شَقائِقِ هذا المَكانِ الْجَميلْ
وإنْ كانَ هذا الْخَريفُ الْخَريفَ النِّهائيَّ، فلْنتَّحِدْ بالسُّحُبْ
لنُمْطِرَ مِنْ أَجْلِ هذا النَّباتِ المُعَلَّقِ فَوقَ أَناشيدِنا
لِنُمْطِرَ فَوْقَ جُذوعِ الأساطيرِ والأْمَّهاتِ اللَّواتي وَقَفْنَ
على أوَّلِ العُمْرِ كَي يَسْتَعِدْنَ حِكايَتَنا مِنْ رُواةٍ
أطالوا عليها فُصولَ الرَّحيلْ
أما كَانَ في وُسْعِنا أَنْ نُعَدِّلَ فَصْلَ الرَّحيلِ قَليلا
ليَهْدَأَ فينا صُراخُ النَّخيل؟

وُلِدْنا هُناكَ على خَيْلنا, وَاُحْتَرَقْنا بشَمْسِ أَريحا القَديمَةْ
رَفَعْنا سُقوفَ البُيوتِ ليَرْتَديَ الظلُّ أَجْسادنا, واحْتَفَلْنا
بعيدِ الكُرومِ وعَيدِ الشَّعيرِ, وزَيَّنتِ الأَرضُ أَسْماءَنا
بِسَوْسنِها واُسْمِها. وصَقَلْنا حِجارتَنا كَي تَرِقَّ …تَرِقَّ
على مَهَلٍ في بُيوتٍ يُلَمِّعُها الضَّوْءُ والْبُرْتُقالُ، وَكُنَّا
نُعَلِّقُ أَيامَنا في مَفاتيح مِنْ مَنْ خَشبِ السَّروِ. كُنَّا نَعيشُ
على مَهَلٍ, كانَ لِلْعُمْرِ طَعْمُ الْفُرقِ الصَّغيرةَ بَيْنَ الْفُصول
وإنْ كانَ هذا الخرَيفُ الخَريفَ النِّهائيَّ، فَلْنَبْتَعِدْ عَنْ
سَماءِ الْمنافي وَعَنْ شَجَر الآخرينَ. كَبِرْنا قَليلاً
ولَم نَنتْبِهْ للتَّجاعيدِ في نَبْرَة النَّايِ.. طالَ الطَّريق
ولم نَعْتَرِفْ أَننَّا سائِرونَ على دَرْبِ قَيصَرَ. لَمْ نَنْتَبِهْ لِلْقَصيدَة
وقد أَفْرَغَتْ أَهْلَها مِنْ عَواطِفِهمْ كَيْ تُوَسِّعَ شُطْآنها
وَتَنْصِبَ خَيْمَتَنا حَثْثُ أَلْقَتْ بِنا الحَرْبُ بَينَ أَثينا وفارِسْ
وبَيْنَ الْعِراقِ وَمصْر وَنَحْنُ نُحِبُّ الْمَحاريثَ أَكْثَرَ مِمَّا
نُحِبُّ السُّيوفَ، نُحِبُّ هَواءَ الْخَريْفِ، ونُحِبُّ الْمطَرْ
نُحِبُّ الطَّبيعَةَ عاشقَةً في تقاليدِ آلِهَةٍ وُلدَتْ بَيْنَنا
لِتَحْمِيَنَا مِنْ رِياحِ الْجَفافِ وخَيْلِ الْعَدُوَّ الَّذي نَجْهَلُهْ
ولكنَّ أبوابَنا بين مصرَ وبابلَ مفتوحةٌ للحروبِ
ومَفْتوحةٌ لِلرَّحيلْ

..وإنْ كان هذا الخريفُ الخَريفَ النِّهائِيَّ, فَلْنَخْتَصِرْ
مَدائِحَنا لِلأواني الْقَديمَةِ، حَيثُ حَفَرْنا علَيْها مَزاميرَنا
فَقَدْ حَفَرَ الآخَرون على ما حَفَرْنا مزاميرَ أَخْرى
ولَمْ تَنكَسرْ بَعْدُ. تَصعَدُ فَوْقَ الدُّروعِ القَديمَةِ خُبيَّزَةٌ
لِتُخْفِي أَزْهارُها الحُمْرُ ما صَنَعَ السَّيْفُ بالاسم. آثارُنَا
سَتَخْضَرُّ منها الظِّلالُ إذا ما اُسْتَطَعْنا الْوُصولْ
إلى أُمِّنا, في نِهايَةِ هذا الْمَمَرِّ الطِّويل

لَنا ما لنا كُلُّ شَيءٍ لَنا: مُفْرَداتُ الْوَداع
تُعِدُّ لَنا طَقْسَ زينَتِها.. كُلُّ مُفْرَدَةٍ إِمْرَأةْ
على الْبابِ تَحْرُسُ رَجْعَ الصَّدى كلُّ مُفْرَدَةٍ شَجَرَةْ
تُطِلُّ على بُقَعِ الغَيْمِ في السَّاحَةِ الخاليَةْ
تُطِلُّ على ظِلِّها فَوقَ ريشِ الهْديل..

لَنا ما لَنا. كُلُ شيءٍ هُناكَ لَنا.. أَمْسُنَا
يُرَتِّبُ أحْلامَنا, صُورَةً صورةً، ويُهَذِّبُ أيَّامَنَا
وأيَّامَ إِخْوَتنا السّابقين، وأَيَّام أَعْدائِنا السَّابِقينْ،
وَنَحْنُ الَّذينَ اُحْتَرَقْنا بشَمْسِ الْبلادِ الْبَعيدةِ، نَحْنُ الَّذينْ
نَجيءُ إلى أوَّلِ الأَرضِ كَيْ نَسْلُكَ الطُّرُق السابقة
وكي نَملِكَ الوَرْدَةَ السَّابقَة
وكَي نَنْطِقَ اللُّغَةَ السَّابِقَة
سَنَخْتارُ “سوفوكلَ” قَبْلَ “اُمْرِئِ ألقيس”، مَهْما
تَغَيَّرَ تِينُ الرُّعاةِ, وصَلَّى لِقَيْصَرَ إخْوَتُنا السَّابقون
وأَعْداؤُنا السَّابقونَ مَعاً في احتفالِ الظَّلام
ومَهْما تَغَيَّرَ دِينُ الرُّواةِ, فلا بُدَّ مِنْ شاعرٍ
يُفَتِّشُ عَنْ طائِرٍ في الزِّحامِ ليَخْدِشَ وَجْهَ الرُّخامْ
ويفتَحَ فَوْقَ السُّفوحِ مَمَرات آلِهةٍ عَبَرتْ مِنْ هُنا
لِتَنْشُرَ أَرْضَ. لا بُدَّ مِنْ ذَاكِرَة
لِنَنْسى ونَغْفِر حِيْنَ يَحُلُّ السَّلامُ النِّهائيُّ مَا بَيْنَنا
وَبَيْنَ الغزالَةِ والذِّئْبِ، لا بُدَّ مِنْ ذاكرة
لِنَخْتارَ “سوفوكل” في آخِرِ الأَمرِ هذا الصَّهيل..

لَنا في الخَريفِ قَصيدةُ حُبِّ.. قَصيدةُ حُبِّ قَصيرَة
تَدورُ بِنا الرَّيحُ، يا حُبُّ، نَسْقُطُ قُرْبَ الْبُحَيْرَةِ أَسرى
نُداوي الْهواءَ الْمَريضَ، نَهُزُّ الغُصونَ لِنَسْمَعَ نَبْضَ الْهَواء
نُخَفِّفُ طَقْسَ الْعِبادةَ, نَتْرُكُ آلهةً للشُّعوبِ على الشَّاطِئَيْن
ونَحْمِلُ أَصْغَرَها مَعَ زادِ الطريق، وَنَحْمِلُ هذا الطَّريقَ .. وَنَمْشِي
وَعِنْدَ الْينابيعِ نَقْرأْ آثارَنا: هَل مَرَرْنا هُنا؟
وهَلْ نَحْنُ أصْحابُ هذا الزُّجاجِ المُلَوَّنِ.. هَلْ نحنُ نحنُ؟
سَنَعْرِفُ ما صنعَ السَّيْفُ بالاسم عمَّا قليل
فَيا حُبُ أَبْقِ لَنا ما لَنا..مِنْ هَواءِ الْحُقولْ..

قَصيدَةُ حُبِّ لَنا في الْخَريفِ, قَصيدةَ حُبِّ أخيرَة
وَلم نَسْتَطِعْ أَنْ نُقَصِّرَ عُمْرَ الطَّريقِ, ولكنَّ أَعْمارَنَا
تُطارِدُنا كَيْ نَحُثَّ خُطانا إلى أول الْحُبِّ، يا حُبُّ كُنّا
ثَعالِبَ ذاكَ السِّياجِ وَبابونِجَ السَّهلَ. كُنَّا نَرى ما نُحِسُّ
وَكُنَّا نَدُقُّ على جَرَسِ الْوَقْتِ بُنْدُقنا كان فينا طَرِيقٌ
وَحيدٌ إلى السَّاحَةِ الْقَمَريَّةِ, وَاللَّيْلُ لا لَيْلَ فيهِ
سِوى ثَمَر التُّوتِ, كانَ لنَا قَمَرٌ واحِدٌ في الْكَلام
وكُنَّا رُواة الحِكايَةِ قَبْلَ وُصولِ الغُزاةِ إلى غَدِنا..
فَيا لَيْتَنا شَجَرٌ في الأَغاني لِنُصْبحَ باباً لِكُوخٍ, وسَقْفاً
لِبيْتٍ, وَطاولَةً لِعَشاءِ الْمُحِبِّينَ, أوْ مَقْعَداً لِلظَّهيرة
ويا حُبُّ أَبْقِ عَلَيْنا قليلاً لِنَغْزِلَ ثَوْبَ السَّرابِ الْجَميلْ

يُسامِرُنا ظِلُّنا في الْجنوب، وتَعْوي إِناثُ الْوُحوشْ
على قَمَرٍ أَحْمَرٍ فَوْقَنَا. سَوْف نَلْمُسُ خُبْزَ الرُّعاهْ
ونَلْبِسُ كَتَّانَ أَثْوابِهِمْ كَيْ نُفاجِئَ أَنْفُسَنا..
تِلكَ أَيَّامُنَا
تَمُرُّ, قُبالَتنا, في اُنْتِظامٍ بطيءِ الْخُطى..
تِلك أَيَّامُنا
تَمُرُّ على عَرَباتِ الْجْنودِ وَتَرْمِي تَحِيَّتَها لِلسُّفوحِ الْخَفيفَهْ
“سلاماً على أَرضِ كَنْعانَ، أَرْضِ الْغَزالَةِ، والأْرْجُوان”
وأيَّامنا تلك..
تَنْسَلُّ خَيْطاً وخَيْطاً, ونَحْنُ الَّذين
نَسَجْنا عَباءَة أَيَّامِنا لَمْ يَكُنْ للإلهَةِ دَوْرٌ
سِوى أَنَّها سامَرَتْنا, وَصَبَّت لَنا خَمْرَها…
تِلك أَيَّامُنا
تُطِلُّ عَلَيْنا لنَعْطَش أَكْثَرَ.. لَمْ نَتَعرَّفْ على جُرحِنا في
زِحام الْجُروحِ الْقَديمَة، لكِنَّ هذا الْمكانَ – النَّزيفْ
يُسَمَّى بأَسْمائِنا. لمْ نَكَنْ مُخْطِئينَ لأنَّا وُلدْنا هُنا
ولا مُخْطِئينَ.. لأَنَّ غُزاةً كَثيرينَ هَبُّوا عَليْنا
هُنا, وأَحَبُّوا مدائِحَنا للِنَّبيذ، أَحَبُّوا أَساطيرَنا
وفضَّةَ زَيْتوننا. لَمْ نكنْ مُخطِئينَ لأنَّ الْعَذارى
على أَرْضِ كَنْعانَ عَلَّقْنَ فَوْقَ رُؤوس الْوعول
سَراويلَهُنَّ, لِيَنْضَجَ تينُ الْبراري ويَكْبَرَ خَوْخُ الُّسهولْ،
ولا مُخْطِئينَ.. لأنَّ رُواةً كَثيرينَ جاؤوا إلى أَبْجَديَّتِنا
لِكيْ يَصفوا أَرْضَنا, مِثلنا مِثلَنا, تلْكَ أَصْواتُنا
وَأَصَواتُهُمْ تتَقاطعُ فَوْقَ التَّلالِ صَدىً واحداً للِصَّدى
وَيخْتَلطِ النَّايُ في النَّاي، والرِّيحُ تَعْوي وتَعْوي سُدَى
كأنَّ أَناشيدَنا في الْخَريفِ أَناشيدُهُمْ في الخَريفْ
كأَنَّ الْبلادَ تُلَقِّنُنا ما نَقول..
ولكنَّ عِيدَ الشَّعيرِ لَنا, وَأَريحا لَنا, ولَنا
تَقاليدُنا فِي مَديحِ الْبيُوتِ وَتَرْبِيِةَ الْقَمْحِ والأُقْحُوان

سَلاماً على أَرْضِ كَنْعانَ،
أَرضِ الْغَزالَةِ،
والارْجُوانْ


سنختارُ سوفوكليس - محمود درويش