الشعر العربي

قصائد بالعربية

الخروج من ساحل المتوسط

-1-
سيلٌ من الأشجار في صدري
أتيتُ … أتيت
سيروا في شوارع ساعدي تَصِلوا.
وغزّةُ لا تصلّي حين تشتعلُ الجراح على مآذنها,
وينتقل الصباح إلى موانئها, ويكتمل الردى فيها

أتيتُ…أتيتُ
قلبي صالحٌ للشربِ
سيروا في شوارع ساعدي تَصِلوا
وغزّةُ لا تبيع البرتقال لأنه دمُها المعلَّبُ
كنتُ أهرب من أزقَّتها
وأكتب باسمها موْتي على جميزة,
فتصيرُ سيِّدةً وتحمل بي فتىً حراً
فسبحان التي أسْرَتْ بأوردتي إلى يدها!

أتيتُ … أتيتُ
غزّةُ لا تصلّي
لم أجد أحداً على جرحي سوى فمها الصغير
وساحل المتوسط اخترق الأبد..

-2-
لا توقفوني عن نزيفي!
ساعةُ الميلاد قَلّدَتِ الزَّمانَ , وحاوَلَتْني
كنتُ صعباً – حاولتني
كنتُ شعباً – حاولتني مرة أخرى..
أرى صفاً من الشهداء يندفعون نحوي, ثم يختبئون في
صدري ويحترقون

مافَتَكَ الزمانُ بهم, فليس لجثَّتي حدُّ ولكني
أحسُّ كأن كلَّ معارك العرب انتهتْ في جثتي,
وأودُّ لو تتمزق الأيام في لحمي ويهجرني الزمان,
فيهدأ الشهداءُ في صدري ويتفقون
ما ضاق المكانُ بهم ’ فليس لجثتي حدّ , ولكنّ
الخلافة حصَّنَتْ سور المدينة بالهزيمة, والهزيمةُ
جدَّدتْ عمر الخلافة
لا توقفوني عن نزيفي
ساعةُ الميلاد قلّدت الزمان وحاولتني
كنتُ صعباً – حاولتني مرة أخرى
أرى صفاً من الشهداء يندفعون نحوي
لا أحدْ !
-3-
وتقاسمتْني هذه الأممُ القريبةُ والبعيدةُ
كلُّ قاضٍ كان جزّاراً
تدرَّج في النبوءة والخطيئةِ
واختلفنا حين صار الكل في جزءٍ,
وصار الجرحُ وردتَنا جميعاً
وابتعدنا…
اذهب إلى الموت الجميلِ –
ذهبتُ
وحدي كنتُ
قلتم : نحن نتظر الجنازة بالأكاليل الكبيرة والطبول,
ونلتقي في القدسِ..
ليتَ القدس أبعدُ من توابيتي لأَّتهم الشهودَ
وما عليك! ذهبت للموت الجميل
ومدينةُ البترول تحجز مقعداً في جنة الرحمن – قلتم لي
وطوبي للمُموِّل والمؤذِّن… والشهيد!

-4-

تَعِبَ الرثاءُ من الضحايا
والضحايا جَمَّدتْ أحزانها
أوّاه! مَن يرثي المراثي ؟
لستُ أدرى أيُّ قافية تحنِّطني, فأصبح صورة في معرض
الكتب القريب.
ولستُ أدرى أيُّ إحصائيَّة ستضمُّني..
يا أيها الشعراء.. لا تتكاثروا!
ليست عظامي منبراً
فدعوا دمي – حبر التفاهم بين أشياء الطبيعة والإله
ودعوا دمي – لغة التخاطب بين أسوار المدينة والغزاة
دمي بريدُ الأنبياء
-5-
وأعود من تلقاء نفسي….
ليت شُباكي بعيد كي أرى أمي
وليت القيد أقرب كي أحسَّ النبض في زندي
وليت البحر أبعد كي أخاف من الصحارى
آهِ ’ ليت الشئ عكس الشئ كي تتآكل الأشياء في
نفسي, وتأخذَ صيغة الفرح الحقيقيّ
ابتعدنا واقتربنا وابتعدنا
يا أهالي الكهف قوموا واصلبوني من جديدِ
إنني آتِ من الموت الذي يأتي غداً
آتٍ من الشجر البعيد
وذاهبٌ في حاضري – غدِكم
أنا قشَّرتُ موجَ البحر زنبقةً لعزة…
-6-
سيلٌ من الأشجار يخرج من ضلوع الصخر – يصقلني
الفناءُ
وجدولٌ يمتد من صدري عموديّاً – وتنحدر السماءُ
رأيتُ رأي القلب – ذوَّبني الضياءُ
فصرت صوتاً ’ والحصى صار الصدى
وتنفَّس القبرُ القديمُ…
تحرَّك الحجرُ… استردَّ دبيبَهُ منكم
أنا الأحياء والمدن القديمةُ
حاولوا أن تخلعوا أسماءكم تجدوا يديّ
وحاولوا أن تنزعوا أثوابكم تجدوا دمي,
أو حاولوا أن تحرقوا هذي الخرائط تبصروا جسدي –
أنا الأحياء والوطن الذي كتبوهُ في تاريخكم…
من جثتي بدأ الغزاةُ , الأنبياءُ , اللاجئون –
والآن يختتمون سيرتهم لأبدأ من جديد

-7-
تتحرَّك الأحجارُ
هذا ساعدي متمايل كالرعب
ليس الربُّ من سكّان هذا القفرِ
هذا ساعدي
تتحرَّكُ الأحجارُ ,
ما سرقوا عصا موسى.
وإنَّ البحر أبعدُ من يدي عنكم
إذن, تتحرَّك الأحجارُ
إن طلعوا وإن ركعوا, و إن مرّوا وإن فرّوا –
أنا الحجرُ
أنا الحجرُ الذي مسَّتْهُ زلزلةٌ
رأيت الأنبياء يؤجِّرون صليبهم
واستأجرتني آيةُ الكرسيِّ دهراً ’ ثم صرت بطاقةً للتهنئات
تغيَّر الشهداءُ والدنيا
وهذا ساعدي
تتحرك الأحجارُ
فالتفّوا على أسطورةٍ
لن تفهموني دون معجزةٍ
لأن لغاتكم مفهومَةٌ
إن الوضوح جريمةٌ
وغموض موتاكم هو الحقُّ – الحقيقةُ
آه, لا تترك الأحجار إلاّ حين لا يتحرك الأحياء
فالتفّوا على أسطورتي!
-8-
لن تفهموني
تخرج العذراءُ من ضلعي
تكون مشيئتي
وأصابُ بالأمطار والبرق الذي أدمنتهُ
لن تفهموني
ناهضاً من قبركم
والأرضُ للشهداءِ –
أنهيتُ المغامرة الأخيرة وابتدأتُ :
هنا الخروج. هنا الدخولُ
هنا الذهاب. هنا الإيابُ
ولا مكان هنا
أنا الزمن الذي لن تفهموني خارج الذي ألقي
بكم في الكهفِ –
هذي ساعتي :
ينشقُّ قبرٌ ثم أنهض صارخاً :
لا تُوقفوني عن نزيفي
لحظةُ الميلاد تسكُنني من الأزلِ ’استريحوا في جراحي-
ها هو الوطن الذي يتجَدَّدُ ,
الوطن الذي يتمجَّدُ ,
اقتربوا من الأشجار وابتدئوا معي!

-9-
في غزةَ اختلفَ الزمان مع المكانِ
وباعةُ الأسماك باعوا فرصةَ الأمل الوحيد ليغسلوا
قدميّ
أين المجدلية ؟
ذابتْ أصابعها مع الصابون
وانهمرت كتاباتٍ كتاباتٍ
وكان الجندُ ينتصرون ينتصرون
كانوا يقرؤون صلاتها
ويفتِّشون أظافرَ القدمين والكفين عن فَرحٍ فدائّي,
وكانوا يُلحقون حياتهم
بدموع هاجَرَ . كانت الصحراء جالسةً على جلدي
وأولُ دمعة في الأرض كانت دمعةً عربية
هل تذكرون دموع هاجر – أوَّلِ امرأةٍ بكتْ في
هجرة لا تنتهي ؟
يا هاجَرُ , احتفلي بهجرتي الجديدةِ من ضلوع القبر
حتى الكون أنهضُ
يسكن الشهداءُ أضلاعي الطليقة
ثم أمتشق القبور و ساحلَ المتوسطِ
احتفلي بهجرتَي الجديدة.


الخروج من ساحل المتوسط - محمود درويش