الشعر العربي

قصائد بالعربية

المدينة

كلما ازداد الإنسان معرفة ازداد أسىً
العهد القديم

كيف أترجم نفسي ؟
فتح الغيم و انثال رمل بخطوي
دماء اللغات استضافت
أهيئ ،
ماشياً في شظايا الرجوع
أدحرج. أسست للنار نهراً يطوف ويغوي
أدحرج. غير الصدى في المدينة
غير المراثي وغير الخشوع
اللغات استضافت
أترجم
والحرف يمشي ويكبو
والحرف طفل سيحبو
دخلت المدينة صادقت أحجارها. صرت فيها
هات أطرافها
لثغة واكتشفت
نام أو أيقظ الطين أو…
يا أيها الغيم غير لغات لها عوسج عاقر
لها أمنيات قبيحة
لها مدية للضحايا الجريحة
دمي رافض
غير هذي القيود بلادي
وغير الشهيق يداي وغيري
أتخطاك يا نقطة الضوء
أمشي على شهوة الغيم
أمشي أهيئ
هاتي. أسميك لي شرفةً في الحدائق.
رملي فسيح وشباك عينيك يغوي
أديري خلاياك واستنهضيني
أسميك أمس الغبار
يا نقطة الضوء يا شيء قلبي أسميك
أعطي خطاي الوصايا.
هل أنت
يا نقطة الضوء
يا شوكةً في يقيني
أمشي فسيحا وناري حدود المدينة
مدي خلاياك واستهدفيني
أسمي وأغوي تواريخك في تراثي
وأغويك مدي يديك إلى جثتي وازرعيني
أسميك أمحو شهيق المدينة
أكتب حلم المدينة
مدي ، تعالي تلاشي على طينتي واحصديني
يا نقطة الضوء
ها أتخطاك أترك لا تتركيني.

كيف أترجم نفسي ؟
ناديت ليل السكوت
اللغات استضافت
ولكنها حين ناديت رمل الخطى
قلت للقيد
قلت : السكوت الذي في المدينة
قلت : البيوت المآتم
تركض نحو العيون الحزينة
أترجم ؟
ماذا تقول الدماء عن الدم ؟
ماذا أهيئ ؟
يخرج من جرحه هجرةً
في يقين من الشك
يخرج أرسمه خيمةً للنهار
فمن يمتطي صهوة في المدينة
ماذا تقول الدماء عن الدم ؟
صادقتها صرت فيها
اكتشفت المدينة
حدقت هذا صديقي
وهذا الذي رأسه بيرق للنشيد
وهذا الذي في الحديد
وهذا الجديد
حدقت هذا صديقي الذي…
ولكنه لا يحيد.

نافذة البحر تصحو
كأن الخطى طفلة
كأن الشوارع تسأل
كأن النوارس في عرسها ترجمان
فيا أيها الغيم غير
( يمشي ولا ينسى
يلملم جرحه السري
حزناً شاهقاً يمشي ولا ينسى
دم في أول الكلمات
لا يسهو ولا مرتاحة عيناه
في حلم
وأسماء العذارى نزهة في القلب
ممتد كخيط الحب بين الماء والمعنى
يواري جرحه السري عن عينيه
لا مرتاحة عيناه ، لا يبكي
دم في آخر الكلمات
لا يغفوا ويمشي في بياض الوقت
لا تعب ولا ينسى
وقبل الموت يرفع ياقةً للثلج
يا فبراير الثلجي
هل ينسى ؟ )

أترجم نفسي ؟
من يسأل الجرح عن نزفه ؟
انحدرت إلى السهل
هذي المدينة كهف
وهذي الشوارع مرصوفة بالحراب
انحدرت وفي كل باب من البيت جبانة
ليس بيتي ولكنه سهرة للخراب
انحدرت ولي هجرة في الحقول
النهارات موصولة في دمي كالصراخ
اصرخ الآن يا ماء قلبي
سؤالاتهم مثل باب السماء
اصرخ الآن ، قل كلمةً
قل لهم ، فالدماء…
من يسأل العرس عن عزفه ؟
قلت : ها أنت
وانثال كالرمل صوتي
كأن المدينة تخلع قمصانها
( لست بيتي )
وهاجرتها ( لست صوتي )
وهاجمتها ( أنت موتي )

عرفت المدينة ؟
علم سواحلها وانشطر في مداها
عرفت المدينة ؟
ها أنت…
أخلع ماء المدينة أغسلها بالهموم
وأصعد أصعد
أحزمها بالسواحل والعشب
أركض فيها كأن الغيوم.
نهضت ، وشلت المدينة
هيأت للأرض شمسي
من أنت ؟
اخترقت المتاريس
كانت بلادي وكنت
أترجم
أمشي على مهل في ضحايا الخضوع
وأفزع.
المتاريس محشوة بالضحايا
حدقت هذا صديقي
وهذا الذي يحتسي يأسه
وهذا الذي رأسه
وهذا الذي وردة في طريقي
حدقت هذا… صديقي.
رأيت العذارى الضحوكات في القتل
يلبسن عطر الجدائل
أمشي على مهل في دمي
كنت أمشي
وكانت توزع أزياءها في الأغاني
كأن الرسائل
عرفت الذي ينتمي
والذي يحتمي
والذي حين يحتاج كأساً
سيشرب حمى دمي
( فيا أيها الماء غادر فمي
واحتملني )
فهذي المدينة يا سيد الومض
تنور قلبي
وقدس رمادي
أنادي المدى والشظية
هذي بلادي
فدعني أكون الصدى والهدية
ها أنت. هيئ

( هل أمشي على خيط من الرمل
انتحلت الموجة المنذورة العينين
هل أمشي على حزن الحليب الشارد العينين
هل أمشي
ولي إشراقة الطلقات في فجر المرايا
لي هدايا الشمس
هل أمشي ونصفي واقف في الهمس
نصفي هارب.
ماذا يقول الدم
هل أمشي
ولي حلم يسور جثتي
وضياع أطفالي بقلب الناس
لي في رفقة الأحلام
لي أيام
لي أمشي ولا أنسى
بلادي خمرة في الكأس)

يا أيها الغيم غير ،
ولكنها يممت نحو ماء الرماد
فيا سيد الومض قدس رمادي
تعلمت أن الغموض الذي في زنادي
وفي لهجتي وردة في وسادي
تعلمت أن البلاد التي أعلنت صمتها في الميادين
ليست بلادي
ويا سيد الومض قدس
وزين جراح الصبيات
حول فساتينهن احتفالاً
وأسرارهن الخجولات
إشراقةً في سوادي
ويا سيد الومض
إمض
تعلمت ؟ علِّمْ سمائي وأرضي
أجج غموضي وكن جامحاً في قيادي
يا أيها الغيم
لكنها ضيعتني شريداً
أترجم ؟
ماذا تقول الدماء عن الدم ؟
أعطيتها للعصافير
أعطيت قمصاني الخارجات من الدم
للحلم
هات أطرافها
فالغيم يغوي
يا رملها يا مداها
احتملني غريباً
لي الصافنات التي تشبه البرق
لي عطرها
صحت يا صوتها هات لي تاج أسرارها
هات لي الشكل واللب والاحتمال
احتملني. احتضني شريداً
وترجم لغاتي
ولا تحتفل باكياً في مماتي
دخلت المدينة صادقتها
صار لي سجنها
صحت يا صمتها أنت موتي
وأعلى من الحلم صرت
وأحلى من السنبلة
جميل غناء بلادي
سأعشقها حيث تصحوا النخيل
وحيث تصير الحدائق ريفاً من الأسئلة
وأحلى من الفرح البرتقالي
أعلى من الاختيال الفدائي عرسي
هنا أول المرحلة.

كيف أترجم نفسي ؟
اللغات استضافت وخافت
في فضاء العناقات صوتي يهيم
اللغات المسافات ضاقت
رأيت الحريق
فهل أحتمي بالمدينة ؟
يعرف سر المدينة
يحمل مفتاحها
ويؤرجح ميزانها
طاعن في رماد التقاليد
يفضح فيها ويهزمها في التلافيف
يكمن في صمتها مثل لغم
ويهزأ من خوفها
طاعن في المدينة
( افتح القفل تلق المدينة
تلق شرايينها مثل فحم )
ويعرف سر المدينة.
بوابةً للرجوع وسجادةً للركوع
يغني ويحرق سور المدينة
يرسل نيرانه للرؤوس التي لم تعد
للصدور التي لم تعد
يختفي ثم يبدو كأن الفصول
تؤلب راحاتها بالضحايا
يغني كأن السيول
ويهتك سر المدينة
يسكر في نارها ثم…
من يحتمي بالمدينة ؟؟

( اتصلت
حولت ذاك الشفق الشقيق
مستقبلاً
دفأته بالحب
أو أخفيته في الأمل العميق
فتحت ثوب الوله المزدان بالأحزان
وقلت : هذا الكون مكسور
فدب القلق الصديق
في راحة القبول
وشكت الحقول في الأغصان
والنخل في البستان
ولم أقل لو أنني أقول
حرضت يأس الجمر والأنهار
أغريتها بالنار والأمطار
وقلت للآفاق اتسعي
اتسعي ،
لي لغة ،
لكنها تضيق )

من يسأل الشاعر عن أحلامه ؟
– أين ذهبت ؟
– توزعت في كتب الليل
في أزرق القلب
أعطيت صوتي شكل العصافير
وزعت في الظن والياسمين احتفالي
توهجت مثل اتساع الرمال
تداخلت في خفقة في الحجر
تلفت تراني
أقسم نبضي في كل رفض
أشكل عبر المرايا الصور
تساءلت كيف أترجمها
فامتزجت
وهاجت على كاهلي رجفة الكون
ماجت دموع المساكين في داخلي
وامتزجت
وما الفرق بيني وبين الحنين
وما الفرق بين الهدايا التي أجهضت
والهدايا التي تشبه الياسمين
وما الفرق
ما الفرق بيني وبين المدينة
توجت برد المسافات بالنار
خليته بيرقاً يحتفي
شلته في غنائي
وهيأت للحرق نفسي.
مرغت قلبي على بابها وانتظرت
لكنها غادرتني
فقلت انتهى حبها واعتذرت
لكنها راودتني
فأغريتها بالحدائق
أدخلتها في سرير الحرائق
أرهقتها واختلجت.
دخلت المدينة
رافقت أحجارها
صار بيني وبين الحجر
شرفة واحتضان
صرت جزءاً من الطرقات السخية
حاكيت تربتها في الفصول الوفية
أشجارها في شجون العناقات
صرت.
– ومن أنت ؟
– ليست بلادي
ليست مراثي المآتم
ليست صديد القرابين
ليست بكاء التمائم
ماذا جرى للمدينة ؟
سألت الحجر
قال : إن الحروب التي وانكسر
و ها أنت
لكنها وردة في الطريق
تحركت وانثال رملٌ بخطوي
وغادرت سهوي
ماذا جرى للمدينة ؟
سألت الطريق
قال : إن الحريق الذي واستعر
فناديت يا غيم غير
وأعطيت للطين تكوينه
قلت ماذا جرى للمدينة ؟
سألت الخطى
قالت : اتبع خطاي
فهيأت للسور فأسي.
الغيم ينثال في الأفق
ترجمْ ،
سألت اللغات ولكنها أحجمت
واستدارت

– ومن أنت ؟
– كيف أترجم نفسي ؟
وكل اللغات التي صغتها حاربتني
تبطنت همس الغصون إلى الماء
حاورت رمل المواعيد
حولت هتف الكواكب
سجادةً للمواكب.
– ومن أنت ؟

– كيف أترجم نفسي ؟
وكل السهام التي…
قد رمتني
– هل كنت غيماً ؟
– كشفت الليالي
وسميت هذي العباءات حزناً
دعوت الرياح وخبأتها في الطفولة
قلت : ( انتهى عهدكم )
ثم سميت بدء النهايات سجناً
– وهل صرت ماءً ؟
– قطعت الحبال
وغادرت كل الموانئ
حرضت موجاً خجولاً
وأرخيت للريح شوق المراكب
– هل أنت ؟
– صرت الصريخ الذي يحزم الأرض بالبحر
غيرت شكل الأنين
وحولته رايةً في دم الياسمين
سميت أطفال قلبي نجوماً على الحلم
أعطيت شهق الرفاق احتمال الكواكب.
– وهل… ؟
– كنت أمشي وكان…
فسميت وقتي خليج الصواري
وغيرت صوتي
وشكل احتراقي وقتلي
وغيرت خبز الجحيم
انتقلت امتزجت
وغيرت إيقاع عشقي
وغيرت غيرت غيرت
لكنني في مداري.

تلعثمت
كل الدموع التي حين جاوبتها
ساءلتني
تلفت كل الدماء التي حين ساءلتها
جاوبتني
وها أنت
كيف أترجم نفسي ؟
لبست المدينة زينتها بالقتال
أرخيت شعر الليالي على صدرها
وارتعشت
ولكنها عسكرت في دمائي
اختلجت
حملت المدينة في رقصتي
درت عانقت فيها
وهندستها
أرهقتني اللغات التي في السؤال استضافت
تيقنت أني…
فأسلمتها لهجتي
ويممت نحو السهول
كأن الخيول استعارت صهيلي
توسمت بالغيم والغيم بوابتي ودليلي.

لبست المدينة وذوبتها في الخيال
غسلت المدينة وحولتها في رحيلي
وأغرقتها في حليب الطفولة
صبغت بها الدم أنشدتها في العناقات
أسستها في السؤال
وأصغيت.
لبست المدينة
دخلت بها في دماء المساكين
مغسولةً بالضحايا
كتبت اسمها في البقايا
مشيت لينثال خطوي وترجمتها
صرت لهج المدينة
وأصغيت للبحر أصغيت
لعل العصافير في البحر
لعل القواقع في القاع تذكرني وتجيء
لعل الرحيل البطيء يؤجج هجرته
في المدينة.
قلت كيف أترجم نفسي ؟
لعل العصافير تسمع إصغاء قلبي
لعل العصافير
كيف أترجم نفسي
وكيف… كأن الضجيج الذي في دمائي مواسم
كأن الإشارات واللافتات التي في طريقي
واضحة كالطلاسم
كأني أقول لكل اللغات استثيري
أقول لشمس الليالي أطلي على مقتلي
واستديري.


المدينة - قاسم حداد