الشعر العربي

قصائد بالعربية

أنظر إليَّ وخلصني

صرخ في وجهه ممسكاً به يرجّه رجّاً هل هو صنمٌ أم وثنْ ها أنا أدعوه أن يساعدني أياً كان أي إلهٍ هذا، لا يسمع ولا ينظر ولا يتكلم ولا يُخلّص الناس من عذابهم ما حاجتي لأحجار وأخشاب ورسوم تصدر عن الوهم وتذهب إليه أريد أن أحلم
ترك طرفة المكان وخرج يدمدم بكلمات هي بين الغضب والنزيف فاض به الشكّ وتفجرت الأسئلة ليلته الماضية كانت أقسى عليه من لحظة خروج الروح من الجسد توغل بأسئلته كثيراً وهو يتحقق مع راعي كنيسة دير العذارى الأسقف مار يوحنا الأزرق في صمت الآلهة عن شعوبها، مستعصياً عليه هذا الصمت فهو لا يفهم لم لا تكالم الآلهةُ الناسَ الذين يعبدونها أليس من حق الإنسان أن يكالم سيده يناشده ويساجله الحديث هو ضربٌ من الحب، هو الصلاة في لحظة العمل غير أنه لا يرى آلهة تعبأ أو تكترث بمن يصلي لها ويعبدها ويتضرع إليها
حين بسط طرفة للأسقف سلامَ الاحترام، سأله عن صمت الآلهة إزاء بطش الملوك في الناس سأله عن تكاثر الأديان ونقص الحب، وعن تناسل رجال الكنائس والمعابد من دون أن تردّ الآلهة التعاسة عن بشرٍ لا يتوقفون عن الصلاة والشكر ولا ينجون من العذاب
كانت تلك الليلة محمومة بفعل الأسئلة التي حسبها الأسقفُ الأزرق ضرباً غير مسبوقٍ من التجديف الذي لم تعهده كنائس الحيرة ولا أديرتها لقد وصل جدالُ الشاعر حدود الفزع، فاضطر الأسقف أن ينزع الصليب من يديّ طرفة فيما كان يصرخ في المذبح
إن كنتَ تسمعني،
أنظرْ إليّ وخلصني
تمكن الأسقف الأزرق من الحيلولة بين طرفة والخشبة، خرجَ به إلى حديقة الدير يتلو له كلمات تردُّه عن الغَيّ مما جعل طرفة يترك دير العذارى إلى حانة قريبة
طفق طرفة يبوح بكوامنه في فضاء المكان الذي يذهب إليه في البحر والبحرين يطلق أشعاره ويوقظ أسئلة الناس المحبوسة لا ليصقل الحياة في الأرواح المستسلمة فحسب، لكن ليضع القناديل للخطوات المذعورة في طريق الخروج على آلهةٍ تُعِينُ الطغاةَ على الناس
غير أن أحداً لا يقرأ قلبَ الشاعر ولا يرى إلى نبوءاته، فأتاحَ ذلك للملوك أن يستفردوا بالشاعر ويغدروا بأحلامه


أنظر إليَّ وخلصني - قاسم حداد