الشعر العربي

قصائد بالعربية

أمي

تـركـتني هـا هـنا بـين الـعذاب

و مـضت ، يا طول حزني و اكتئابي

تـركـتني لـلـشقا وحــدي هـنا

و اسـتراحت وحـدها بـين الـتراب

حـيـث لا جــور و لا بـغي و لا

تـنـبي و تـنـبي بـالـخراب

حــيـث لا سـيـف و لا قـنـبل

حـيث لا حـرب و لا لـمع حـراب

حـيـث لا قـيـد و لا ســوط و لا

الـم يـطـغى و مـظلوم يـحابي

خـلّـفتني أذكــر الـصـفو كـما

يـذكـر الـشـيخ خـيالات الـشباب

و نــأت عـنّـي و شـوقي حـولها

الماضي و بي – أوّاه – ما بي

و دعـاهـا حـاصـد الـعمر إلـى

حـيث أدعـوها فـتعيا عـن جوابي

حـيـث أدعـوهـا فــلا يـسمعني

غـير صـمت الـقبر و القفر اليباب

مـوتـها كــان مـصـابي كـلّـه

و حـيـاتي بـعدها فـوق مـصابي

أيــن مـنّي ظـلّها الـحاني و قـد

ذهـبـت عـنّي إلـى غـير إيـاب

سـحـبت أيّـامـها الـجرحى عـلى

لـفـحة الـبيد و أشـواك الـهضاب

ومـضت فـي طـرق الـعمر فـمن

مـسلك صـعب إلـى دنـيا صـعاب

وانـتهت حـيث انـتهى الـشوط بها

فـاطـمأنّت تـحت أسـتار الـغياب

آه ” يــا أمّـي ” و أشـواك الأسـى

تـلهب الأوجـاع فـي قـلبي المذاب

فـيـك ودّعــت شـبابي و الـصبا

وانـطوت خـلفي حـلاوات التصابي

كـيـف أنـسـاك و ذكـراك عـلى

سـفـر أيّـامي كـتاب فـي كـتاب

إنّ ذكـــراك ورائــي و عـلـى

وجـهتي حـيث مـجيئي و ذهـابي

كــم تـذكّـرت يـديـك وهـمـا

فـي يـدي أو فـي طعامي و شرابي

كـــان يـضـنيك نـحـولي و إذا

مـسّـني الـبـرد فـزنـداك ثـيابي

و إذا أبـكـانـي الـجـوع و لــم

تـملكي شـيئا سـوى الـوعد الكذّاب

هـدهـدت كـفـاك رأســي مـثلما

هـدهـد الـفجر ريـاحين الـرّوابي

كــم هـدتـني يـدم الـسمرا إلـى

حقلنا في ( الغول ) في ( قاع الرحاب )

و إلــى الـوادي إلـى الـظلّ إلـى

حـيث يـلقي الـروض أنفاس الملاب

و سـواقـي الـنـهر تـلقي لـحنها

ذائـبا كـاللطف فـي حـلو الـعتاب

كـــم تـمـنّينا و كــم دلّـلـتني

تـحت صمت اللّيل و الشهب الخوابي

كــم بـكـت عـيـناك لـمّا رأتـا

بـصري يـطفا و يطوي في الحجاب

و تـذكّـرت مـصـيري و الـجوى

بـين جـنبيك جـراح فـي الـتهاب

هــا أنــا يـا أمّـي الـيوم فـتى

طـائـر الـصـيت بـعيد الـشهاب

أمــلأ الـتـاريخ لـحـنا وصـدى

و تـغـني فـي ربـا الـخلد ربـابي

فـاسمعي يـا أمّ صـوتي وارقـصي

مـن وراء الـقبر كـالحورا الـكعاب

هــا أنــا يـا أمّ أرثـيك و فـي

شـجو هـذا الشعر شجوي و انتحابي


أمي - عبدالله البردوني