الشعر العربي

قصائد بالعربية

أبعد نأي المليحة البخل

أَبعَدُ نَأيِ المَليحَةِ البَخَلُ

في البُعدِ ما لا تُكَلَّفُ الإِبلُ

مَلولَةٌ ما يَدومُ لَيسَ لَها

مِن مَلَلٍ دائِمٍ بِها مَلَلُ

كَأَنَّما قَدُّها إِذا اِنفَتَلَت

سَكرانُ مِن خَمرِ طَرفِها ثَمِلُ

يَجذِبُها تَحتَ خَصرِها عَجُزٌ

كَأَنَّهُ مِن فِراقِها وَجِلُ

بي حَرُّ شَوقٍ إِلى تَرَشُّفِها

يَنفَصِلُ الصَبرُ حينَ يَتَّصِلُ

الثَغرُ وَالنَحرُ وَالمُخَلخَلُ وَالـ

ـمِعصَمُ دائي وَالفاحِمُ الرَجِلُ

وَمَهمَهٍ جُبتُهُ عَلى قَدَمي

تَعجِزُ عَنهُ العَرامِسُ الذُلُلُ

بِصارِمي مُرتَدٍ بِمَخبُرَتي

مُجتَزِئٌ بِالظَلامِ مُشتَمِلُ

إِذا صَديقٌ نَكِرتُ جانِبَهُ

لَم تُعيِني في فِراقِهِ الحِيَلُ

في سَعَةِ الخافِقَينِ مُضطَرَبٌ

وَفي بِلادٍ مِن أُختِها بَدَلُ

وَفي اِعتِمارِ الأَميرِ بَدرِ بنِ عَم

مارٍ عَنِ الشُغلِ بِالوَرى شُغُلُ

أَصبَحَ مالٌ كَمالُهُ لِذَوي الـ

ـحاجَةِ لا يُبتَدى وَلا يُسَلُ

هانَ عَلى قَلبِهِ الزَمانُ فَما

يَبينُ فيهِ غَمٌّ وَلا جَذَلُ

يَكادُ مِن طاعَةِ الحِمامِ لَهُ

يَقتُلُ مَن مادَنا لَهُ أَجَلُ

يَكادُ مِن صِحَّةِ العَزيمَةِ ما

يَفعَلُ قَبلُ الفِعالِ يَنفَعِلُ

تُعرَفُ في عَينِهِ حَقائِقُهُ

كَأَنَّهُ بِالذَكاءِ مُكتَحِلُ

أُشفِقُ عِندَ اِتِّقادِ فِكرَتِهِ

عَلَيهِ مِنها أَخافُ يَشتَعِلُ

أَغَرُّ أَعداؤُهُ إِذا سَلِموا

بِالهَرَبِ اِستَكبَروا الَّذي فَعَلوا

يُقبِلُهُم وَجهَ كُلِّ سابِحَةٍ

أَربَعُها قَبلَ طَرفِها تَصِلُ

جَرداءَ مِلءِ الحِزامِ مُجفَرَةٍ

تَكونُ مِثلَي عَسيبِها الخُصَلُ

إِن أَدبَرَت قُلتَ لا تَليلَ لَها

أَو أَقبَلَت قُلتَ ما لَها كَفَلُ

وَالطَعنُ شَزرٌ وَالأَرضُ واجِفَةٌ

كَأَنَّما في فُؤادِها وَهَلُ

قَد صَبَغَت خَدَّها الدِماءُ كَما

يَصبُغُ خَدَّ الخَريدَةِ الخَجَلُ

وَالخَيلُ تَبكي جُلودُها عَرَقاً

بِأَدمُعٍ ما تَسُحُّها مُقَلُ

سارَ وَلا قَفرَ مِن مَواكِبِهِ

كَأَنَّما كُلُّ سَبسَبٍ جَبَلُ

يَمنَعُها أَن يُصيبُها مَطَرٌ

شِدَّةُ ما قَد تَضايَقَ الأَسَلُ

يا بَدرُ يا بَحرُ يا عَمامَةُ يا

لَيثَ الشَرى يا حَمامُ يا رَجُلُ

إِنَّ البَنانَ الَّذي تُقَلِّبُهُ

عِندَكَ في كُلِّ مَوضِعٍ مَثَلُ

إِنَّكَ مِن مَعشَرٍ إِذا وَهَبوا

ما دونَ أَعمارِهِم فَقَد بَخَلوا

قُلوبُهُم في مَضاءِ ما اِمتَشَقوا

قاماتُهُم في تَمامِ ما اِعتَقَلوا

أَنتَ نَقيضُ اِسمِهِ إِذا اِختَلَفَت

قَواضِبُ الهِندِ وَالقَنا الذُبُلُ

أَنتَ لِعَمري البَدرُ المُنيرُ وَلَ

كِنَّكَ في حَومَةِ الوَغى زُحَلُ

كَتيبَةٌ لَستَ رَبَّها نَفَلٌ

وَبَلدَةٌ لَستَ حَليَها عُطُلُ

قُصِدتَ مِن شَرقِها وَمَغرِبِها

حَتّى اِشتَكَتكَ الرِكابُ وَالسُبُلِ

لَم تُبقِ إِلّا قَليلَ عافِيَةٍ

قَد وَفَدَت تَجتَدِيكَها العِلَلُ

عُذرُ المَلومَينِ فيكَ أَنَّهُما

آسٍ جَبانٌ وَمِبضَعٌ بَطَلُ

مَدَدتَ في راحَةِ الطَبيبِ يَداً

وَما دَرى كَيفَ يُقطَعُ الأَمَلُ

إِن يَكُنِ البَضعُ ضَرَّ باطِنِها

فَرُبَّما ضَرَّ ظَهرَها القُبَلُ

يَشُقُّ في عِرقِها الفِصادُ وَلا

يَشُقُّ في عِرقِ جودِها العَذَلُ

خامَرَهُ إِذ مَدَدتَها جَزَعٌ

كَأَنَّهُ مِن حَذافَةٍ عَجِلُ

جازَ حُدودَ اِجتِهادِهِ فَأَتى

غَيرَ اجتِهادٍ لِأُمِّهِ الهَبَلُ

أَبلَغُ ما يُطلَبُ النَجاحُ بِهِ ال

طَبعُ وَعِندَ التَعَمُّقِ الزَلَلُ

اِرثِ لَها إِنَّها بِما مَلَكَت

وَبِالَّذي قَد أَسَلتَ تَنهَمِلُ

مِثلُكَ يا بَدرُ لا يَكونُ وَلا

تَصلُحُ إِلّا لِمِثلِكَ الدُوَلُ


أبعد نأي المليحة البخل - المتنبي