الشعر العربي

قصائد بالعربية

ولقد خلوت بعبرة متفردا

وَلَقَد خَلَوتُ بِعَبرَةٍ مُتَفَرِّداً

وَخَلَت بِقَلبي عِندَها أَحزاني

وَعَرَفتُ مِن بَينِ القُبورِ مَكانَهُ

مِثلَ الهُمومِ وَقَد عَرَفنَ مَكاني

حُزنٌ غَدَت أَعمارُهُ نوحِيَّةٌ

وَالدَمعُ كَالطَوقانِ لا الغُدرانِ

وَأَنا اِبنُ نوحٍ قَبرُهُ الجَبَلُ الَّذي

ما كانَ عاصِمَهُ مِنَ الطوفانِ

أَتُراكَ في دارِ البَقا اِستَبطَأتَني

فَاِنظُر كَأَنَّكَ بي فَسَوفَ تَراني

هَذي الحَياةُ أَماتَني دَهري بِها

فضوَدِدتُ لَو بِإِماتَتي أَحياني

وَيَقولُ قَلبي فيكَ كُلَّ قَصيدَةٍ

لِلحُزنِ تُخرِسُ ما يَقولُ لِساني

وَإِذا اِستَغاثَ القَلبُ فيكَ بِمُفصِحٍ

لَبَّتهُ تَلبِيَةَ الصَدى أَجفاني

بَخِلَ اللِسانُ بِلَفظَةٍ وَبِخاطِري

ما شاءَتِ الأَسماعُ فيكَ مَعانِ

يا دَهرَ لَونٍ في الإِساءَةِ واحِدٍ

أَينَ التَلَوُّنُ يا أَبا الأَلوانِ

عَزّى المُعَزّي غَيرَهُ عَن غَيرِهِ

وَسَلا وَأَخفى سَلوَةَ الغَيرانِ

فَاِقصِد فَقَد وَضَعَ الطَريقُ لِقاصِدٍ

بِعَزائِكَ الأَرواحَ في الأَبدانِ

أَمسَوا سُطوراً في الثَرى مَطوِيَّةً

وَقُبورُهُم مِن فَوقُ كَالعُنوانِ

أَخجَلتُمُ ثِقَتي وَلَو كُنتُم عِدىً

ما أُخجِلَت لَكِنَّكُم إِخواني

عَرَفَ الَّذي عَرَفَ الزَمانَ وَأَهلَهُ

وَهُما إِذا ما حُصِّلا زَمَنانِ

فَبَقيتُ مَفقوداً بِغَيرِ مُصاحِبٍ

وَيَظَلُّ مَوجوداً بِغَيرِ زَمانِ

لي مِنهُ طَيفٌ لَو هَجَعتُ وَذِكرُهُ

مِنهُ عَلى اليَقَظاتِ طَيفٌ ثانِ

لَم أَنسَ عَهدَكُمُ عَلى بُعدِ المَدى

وَيُقَلِّلُ النِسيانُ بِالإِنسانِ

وَتَقولُ عَيني كَيفَ أَنسى ذِكرَ مَن

ما زالَ أَسكَنَ فِيَّ مِن إِنساني

أَنتَ الطَليقُ مِنَ الحَياةِ وَها أَنا

في سِجنِها أَمسَيتُ عَينَ العاني

أَهلُ المَصائِبِ بَعدَكُم أَهلي كَما

أَنَّ القُبورَ لِأَجلِكُم أَوطاني

ما عادَ دَهري مَرَّةً بِإِساءَةٍ

وَمَتى بَداني قَطُّ بِالإِحسانِ

كُنتُم حِجاباً حالَ فيما بَينَنا

وَعَدِمتُكُم فَرَأَيتُهُ وَرَآني

وَلَقيتُ ما لَم يَكفِهِ صَبري وَلَم

يَثبُت لِرَوعَةِ ما جَناهُ جَناني

أَخَوَيٍّ لَم يَعرِف ضَنايَ سِواكُما

ما أَنتُم أَخَوانِ بَل أَبَوانِ

وَوَقَفتُ في يَومَيكُما أَفَلا عَلى

يَومِ ذَخِرتُكُما لَهُ تَقِفانِ

أَنكَرتُ بَعدَكُما الوُجوهُ فَكُلُّ مَن

قَد كانَ ذا وَجهٍ لَهُ وَجهانِ

فَكَأَنَّ باسِمَها الَّذي يَشكو إِلى

قَلبي وَمُقبِلَها الَّذي وَلّاني

وَسَمِعتُ ما قالَ المُسَلّي وَهوَ لي

يُغري وَقامَ بِزَعمِهِ يَنهاني

عَينُ الكَثيبِ وَسَمعُهُ في قَلبِهِ

لا ما اِدَّعَت عَيناهُ وَالأُذُنانِ

وَإِلَيكَ عَنهُ يا عَذولُ فَرُبَّما

يُغشي الزَفيرُ لِنارِهِ بِدُخانِ

لَم أَنسَ فَالَكَ وَالبَلاءُ مُوَكَّلٌ

بِالنُطقِ قِدماً أَو فَبِالإِنسانِ

إِذ قُلتُ هاتيكَ النِيابُ ذَخِرتَها

خِلَعَ الطَبيبِ فَقُلتُ أَو أَكفاني

وَالدَمعُ في أَجفانِهِ مُتَرَقرِقٌ

وَيَرِقُّ لي مِن ذِكرِهِ الجَفنانِ

وَرَأَيتُ مِنهُ ما رَأى في نَفسِهِ

عِندَ النَوى فَبَكَيتُهُ وَبَكاني


ولقد خلوت بعبرة متفردا - القاضي الفاضل
 »