الشعر العربي

قصائد بالعربية

سرى طيفه لا بل سرى بي سرابه

سرىَ طيفُه لا بَلْ سَرى بي سَرابُهُ

وقَد طَارَ مِنْ وَكْرِ الظلام غرابُهُ

وما كان يَدْرِي الطَّيفُ قبلَ طُروقهِ

بأَنَّ انْفِتاحَ الجَفْنِ مِنِّي حِجَابُه

لئِنْ شَرَّ نَفْسي قُرْبُه ودُنُوُّه

لَقد سَاءَها تَشْتِيتُه واغْتِرابُه

ولولا انْغِمارُ القَلْبِ في غَمرةِ الهَوى

لكانَ سَواءً نأْيُه واقْتِرابُه

أَتَتْ مع نِقْسِ اللَّيلِ صفحةُ وجهه

فقلتُ حبيبٌ قد أَتانِي كِتَابُه

وأَمْلَى عِتاباً يُستَطابُ فلَيْتَني

أَطَلْتُ ذُنُوبِي كَيْ يَطولَ عِتَابُه

وَبي رشَأٌ حُلْوُ الشَّمائِلِ أَهْيَفٌ

ويَفْتِنُ قَلْبِي إِنْ خَلاَ بِي خِلاَبُه

ويَنْثُر ضَمِّي فوقَ نَهدَيْه عِقدَه

ويُمْحَي بِلَثْمي مِنْ يَدَيْه خِضَابُه

وقَد عَقَّ صَبْري حسنُه لاَ تمائِمي

وكم مَسَّ جَلْدي مِسْكُه لا تُرابُه

وذلِكَ بدرٌ والهلالُ لِثَامُه

فلا تَحْسَبُوا أَنَّ الهلاَلَ نِقَابُه

وفي غَزَلِي ذكرُ العُذَيبِ وبارقٍ

وما ذَاك إِلا ثَغْرُه ورُضَابُه

وذاك رُضابٌ للرحيق اعتزاؤه

وذَلكَ ثَغْر للحَبَاب انْتِسَابُه

وفي القلبِ شَوقٌ كاد من ذكرِه فمي

تُحِّرقُه نِيرَانُه والْتِهابُه

إِلى غائِب إِنْ جَاءَني عنه سائلٌ

فسائِلُ دَمْع المُقْلَتين جَوابُه

لّقَدْ شَقِيَتْ بِالبُعْدِ مِنْه رِبَاعُه

كَمَا سَعِدتْ بالقُرْب مِنه رِكَابُه

وإِنَّ حُدَا حَادِي الحبيبِ غِنَاؤُه

وإِنَّ صَدى ربْع الحبيبِ انْتِحابُه

إِذا اسْتَبطأَ المشتاقُ أَوْب حبيبِه

فَمنْ لي بمحبوبٍ يُرَجَّى إِيابُه

يَذُمُّ اللَّيالي وهيْ أَهْلٌ لِذَمِّه

فُؤَادٌ دَهَاه ظُلمها واكْتِئَابُه

على أَنَّ شكوى المرءِ للدَّهرِ عادةٌ

وشكواهُ عِنْدي للخَصاصةِ عابُه

ومن هابَ من هذا الأَنامِ زمانَه

فقلْ لِزماني إِنَّني لا أَهَابُه

وسِيَّانَ عِندي صابُ حَالي وشهدُه

على غير مَحْلٍ منه أَو صابَ صَابُه

وكيف يَخافُ الفقرَ أَوْ يَرهبُ الرَّدى

فتىً مِنْ يدَيْ عبدِ الرَّحيمِ اكتسابُه

فَمَنْ كان مِثْلي آوياً في جَنَابِه

فيا عُذْرَ دهر قَدْ نَبَا عَنْه نَابُه

وقد صُحِّفَتْ جنَّاتُه أَو جِنَانُه

فقيل على رَغْمِ الحَسودِ جَنَابُه

ومَا بَرِحَتْ تُرخَي عَلَّي ظِلالُه

كَما أَنَّها تُزْجَي إِليّ سَحابُه

وكَمْ من كَذوبٍ رَامَ تغيير رَأْيِه

علَّي فلم تَنْفُق عَليه كِذَابُه

ولا نُهْنِهَت بالزُّور عَنْه أَنَاتُه

ولا زُلْزِلَت للحلمِ مِنْه هِضَابُه

وحَالَ مُحالاً ليس يَدْري جَهالَةً

بأَنَّ لنا رَبّاً عَلَيْه حِسَابُه

يُعَجِّلُ مِنْ تكذيبِه مِنْه خَجْلَةٌ

سيعقُبها عَمَّا قَلِيلِ عِقَابُه

فَبُورِكَ مَنْ مَا زالَ عِنْدي نعيمُه

كَما عِنْدكُمْ يَا حاسدين عَذَابُه

وإِنْ قُلتُ عِنْدِي بعضُ أَخْبارِ مَجدِه

فَمنصِبُه الرَّاوِي لها ونِصابُه

وَمَا ارْتَابَ في عليائِه قَطُّ حَاسِدٌ

إِلى أَنْ يقولُوا زالَ عَنْه ارْتِيابُه

يُزَفُّ له مِن كُلِّ راوٍ مَديحُه

ويُهدَى له من كُلِّ رأْيٍ صَوابُه

وما الفضْلُ إِلاَّ ما حَوَتْهُ طُروسُه

ولاَ المَجْدُ إِلاَّ ما حَوَتْه ثِيَابُه

إِلى حَوْزَةِ العَافين تَهوِي هِبَاتُه

وَفي قِمَّةِ الجَوْزَاءِ تَعْلُو قِبَابُه

أَضَرَّ بإِفْراطِ النَّوالِ عُفَاتَه

فَرَغْبَتُهم فِي أَنْ تَغِبَّ رِغَابُه

وأَغْنى وأَقْنَى القَاصِدِين لِبَابِه

فَجاءَ له من كُلِّ شُكرٍ لُبابُه

فلا مُلتجٍ إِلا عليه اتِّكالُه

ولا مُرتَجٍ إِلا إليه مَآبُه

أَرى الدَّهْرَ بحراً وهْو في البحر دُارُه

وكُلُّ الورَى حَصْباؤه وحَبَابُه

يَقِلُّ له أَنَّ البسيطةَ دَارُه

وأَنَّ نجومَ الأُفْقِ فيها صِحَابُه

وَما هُو إِلاَّ لِلفضَائِلِ أُفْقُها

وخاطُره الوقَّادُ فِيها شِهابُه

تُفَلِّلُ عَزْماتِ الكَتائِب كُتْبُه

ويُذْهِبُ أَزْمَاتِ الخُطُوبِ خِطَابُه

يُفرِّسُ أَلْبابَ الرِّجال كَلامُه

فما هو إِلاَّ اللَّيثُ والطِّرسُ غَابُه

أَمَوْلاَيَ أَشْكُو جَوْرَ دَهرٍ مُبَرِّحٍ

تَطَاولَ بِي لمَّا انْتَشَى بي انْتشَا بُه

أَتَانِي لَكِن أَيْن مِنِّي رُجُوعُه

وأَقْبَلَ لكن أَيْن مِنِّي ذَهَابُه

قَسا قَلْبُ دَهْرِي بَعْد لينٍ أَلِفْتُه

وَمَنْ لِي بِدَهرٍ لاَ يُخَافُ انْقِلابُه

وإِنْ لَمْ تَجُد لِي مِنْ يَدَيْك سَحابَةٌ

فَبَيْني وبَيْن الْهَالِكين تَشَابُه

وإِنِّي مَنْ كَسْبُ المَعَالي مُرادُه

وغَيرُ جَزِيلاَتِ العَطَايَا طِلاَبُه

أَنا الحَائرُ السَّاري وأَنْت شِهَابُه

أَو الحائُم الصَّادِي ومِنْك شَرَابُه

فكمْ حاجةٍ لي ضاع مِنِّي نَجاحُها

وكم أَمَلٍ لي طالَ مِنِّي ارْتِقَابُه

وما الدَّهْرُ إِلا خادِمٌ أَنتَ ربُّه

ولا الرِّزْق إِلا مَنزِلٌ أَنْتَ بَابُه


سرى طيفه لا بل سرى بي سرابه - ابن سناء الملك