الشعر العربي

قصائد بالعربية

نعم لقرى ضيف الحشى والأضالعِ

نعم لقرى ضيف الحشى والأضالعِ

نحرتُ دموعي بين تلك المرابعِ

وقفتُ بها أشكو الصبابةَ والنوى

ولكنَّها شكوى إلى غير سامع

أبثُّ الأسى وجداً بهيف غصونها

كأني من بعض الحمام السواجع

يدلُّك عنوانُ النحول على الهوى

وتقرأُ سرّى من سطور المدامع

وحدَّثني عن ثغر ليلى بوارقٌ

نواقلُ أخبارِ الهوى والودائع

فوالحبِّ لولا غيرةٌ أخيليَّةٌ

لقبَّتُ أفواهَ البروق اللوامع

وأقسمُ ما العهدُ القديمُ بضائعٍ

لديَّ ولا السرُّ القديمُ بذائع

لقد غدرت غدر الشباب بأهلهِ

فليس زمانٌ مرَّ منها براجع

يخادعني طيف الخيال بغفوةٍ

ينمُّ بها طيفُ الخيال المخادع

إذا طرقت طيفاً وددتُ بأنني

سلبتُ غيابات العيون الهواجع

فختَّام يرعى ساهر عهدَ راقدٍ

ويحفظ دان في الهوى ودُّ شاسع

إذا جنَّ جنحُ الليل كان لقلبهِ

تململُ أوَّاهٍ من الوجد خاشع

أجيرانها بالنَّعف ربَّ وسيلةٍ

وبثٍّ إلى جيرانها غير نافع

ووقفة لومٍ في هواها ذليلةٍ

أضلَّت هداها دون أذن المسامع

بخطَّة وجدٍ ليلةَ الخيف خفتها

ويا غصَّة جرعتها بالأجارع

وحيٍّ طرقناهُ وقد هجع الدُّجى

وما الشوق في قلب المحبِّ بهاجع

بحمر الحلى سود النواظر حورها

من البيض زرق الماء خضر المرابع

ولو أنَّ صبحاً مغفياً هبَّ من كرى

تعثَّر منهُ في جفون المطالع

فصافحتُ ما دون الجيوب من الشذا

ولم ترَ عيني ما وراء البراقع

معنبرُ أنفاس النسيم كأنهُ

صفات صفي الدين بين المجامع

روافل في جنحٍ من الليل نقطهُ

كواكبَ في صبحٍ من الطّرس ساطع

بها تثمل الأفهام حتى كأنها

كؤوس سلافِ زينت بقواقع

معانِ إلى قلب المعالي لذيذةٌ

كما رقَّ تحت الليل ماءُ الوقائع

فما شقّ حسناً مثلها عينَ ناظرٍ

ولا شاق طيباً غيرها إذن سامع

أخو العزم يدعو دهرهُ فيجيبهُ

إجابة عبدٍ حين يدعى مسارع

طروبٌ إذا ما هزَّ بالمدح عطفهُ

فقل في ثناءِ هزَّ عطفَ متالع

جوادٌ بدنياهُ ضنينٌ بعرضهِ

عبوسُ جبينِ البؤسِ طلقُ الصنائع

تقلُّ لجدواهُ البلاد وأهلها

وتعظمُ عن قدر القرى والمزارع

وبالصاحب المرجوّ أطلقت المنى

عشيَّة كفَّ البأسُ كفَّ المطامع

أقيمت بهِ سوقٌ بضائعُ أهلها

من الجوهر البحريّ خير البضائع

إذا جئت نعماهُ تمتُّ بقصدها

فقد جئت نعماهُ بكلّ الذرائع

هنالكَ لا حجَّابهُ عن لقائهِ

تصدُّ ولا بوَّابهُ بمنازع

أعاد على مصرَ الشبابَ كغيرها

فها هيَ بعد الشيب في سنّ يافع

وجوهُ رياضٍ ليس ماءُ عيونها

بماحٍ ولا أرواحها بزعازع

ثنى الملك من صرف الزمان بنخوةٍ

وكان مسيلاً للخطوب الدوافع

فما غير ومض البرق فيه بسائفٍ

يشامُ ولا غير الغدير بدارع

وكم علَّم البيض الذُّكور يراعهُ

عناق المنايا وافتضاض الوقائع

بحيث فؤادُ العضب فيهِ جبانةٌ

إذا لم يؤيدهُ شجاعُ الأشاجع

وزير إذا ما شامه في ملمَّةٍ

تعجّبتَ من ضدَّين راعٍ ورائع

يسحُّ بشهدٍ في مواليهِ مجتنى

مباحٍ وسمٍ في أعاديه ناقع

أصمُّ سميعٌ ناطقٌ وهو صامتٌ

لدى الخطب عضبُ الحدّ عذب المشارع

ويزجي سحاباً هاطلاً صوت ودقهِ

حمامٌ لعاصِ أو حياةٌ لطائع

يصوبُ وما قطرُ السماء بذائبٍ

ويمضي وما حدُّ الحسام بقاطع

ويحتلُّ في التحقيق خمسةَ أبحرٍ

وفي الظاهر المرئي خمس أصابع

غياث لملهوفٍ وكفٌ لشاغب

وحفظٌ لموجودِ وردٌّ لضائع

مفرقةٌ بين العدى ونفوسها

وجامعةٌ بين الطُّلى والجوامع

وما تملك الأقدار كلّ خلالها

سوى وضعها بالمطلقات الموانع

وكنتُ نزيل المحل حتى أضفتني

فزَّهدني في الغاديات الهوامع

فما لي في سنٍّ من البرق ضاحكٍ

هوّى لا ولا جفنٍ من السُّحب دامع

زوى وزراء الدهر قدماً وحادثاً

وأضحك من ماضٍ يعدُّ وتابع

يغبر منه الفضل في وجه جعفر

وواخجلتا للفائزيِ طلائع

وتلبس من أنوائهِ كلُّ روضةٍ

وينعٍ وما روض السماء بيانع

فما شئتما من عفَّةٍ تحت قدرةٍ

ومن رفعةِ شمَّاءَ تحت تواضع

معوَّفة من صنعة الجود والحيا

وشائعها والجودُ ربُّ وشائع

وكم شفعت بيض الصّلات بمثلها

وما احمرَّ في أثنائها وجهُ شافع

مواهب تتلوها مواهبُ خلفها

صنائعُ في العلياء أيُّ صنائع

يرومُ العدى إخفاءها ولحاقهُ

وكلُّهم ما بين عاشٍ وطالع

وكيف بطمس النيرين لطالب

ونيلِ منيرات النجوم الطوالع

ونعم غداةَ الحرب أنت ابن همَّةٍ

يلاقي ليالي نقعها غيرَ جازع

حوى شرفَ الدنيا وقاصيةَ العلى

وغايةَ مجدِ الدهر غيرَ مدافع

شجاً يتعب الأعداء جذلان وادعاً

ويمشي على الأعناق غيرَ موادع

إذا مشهدٌ صلَّت بهِ البيض لم تجد

فتى ساجداً منهنَّ إلاَّ لراكع

ترقُّ وفيها قسوةٌ جاهليُّة

هي الذَّمُّ إلاَّ في السيوف القواطع

عشيَّة كم نسر من الخيل طائرٍ

كفيلِ قرى نسرٍ من الطيرِ واقع

وما رجبٌ في الفضل إلاَّ كغيرهِ

لو أنَّ لماضي العام حظَّ المضارع

سأهدي إلى علياك كلَّ خريدةٍ

من الفضل لم تعلق بها كفُّ فارع

نتائج أفكار إليك نوازع

وليست إلى غير العلى بنوازع

تجيءُ ثقيلاً أو خفيفاً ترنّحت

قدود المعاني منهُ قبل المسامع

فما كان لولاك السماحُ بمطلقٍ

ضحوكٍ ولا صدرُ الزمانِ بواسع


نعم لقرى ضيف الحشى والأضالعِ - ابن الساعاتي