الشعر العربي

قصائد بالعربية

إن المنية لا تبقي على أحد

إن المنِيَّةَ لا تُبْقي على أحَدِ

ولا تهابُ أخا عزٍّ ولا حَشَدِ

هذا الأميرُ أَتَتْهُ وهْو في كَنَفٍ

كاللَّيْل من عُدَدٍ ما شئْتَ أو عَدَدِ

من كلِّ مُسْتَعْذِبٍ لِلْموتِ دَيْدَنُهُ

بَزُّ الكُماة ولُبْسُ البيض والزَّرَدِ

مُعْتَادَةٌ قَنَصَ الأبْطال شِكَّتُهُ

يرى الطِّرادَ غداة الرَّوعِ كالطَّرَدِ

كأّنه اللَّيْث لا تَثْنِي عَزيمَتَهُ

إلّا عَزِيمتُهُ أو جُرْعةُ النَّفَدِ

ولم تزلْ طوْعَ كَفَّيْهِ يُصَرِّفُها

بين الأنام ولا تعْصِيه في أَحَدِ

حتى أتاه رسولُ الموت يُؤْذِنُهُ

أن البقاء لوَجْه الواحِد الصَّمَد

للَّه من هالِكٍ وافَى الحِمامُ بِهِ

أُخرَى الحياةِ وأخْرَى المجدِ في أمدِ

كم مُقْلَةٍ بعدَه عَبْرَى مُؤَرَّقَةٍ

كأَنما كُحِلَتْ سَمَّاً على رمدِ

جادتْ عليه فأغْنَتْ أن يُقال لها

يا عيْنُ جُودِي بدَمْعٍ منك مُطَّردِ

إنْ لا يكن ظُفُرُ الهَيْجَا مَنِيَّتَهُ

فأَكْرَمُ النَّبْتِ يَذْوِي غير مُحْتَصَدِ

أما ترى الغَرْسَ لا تَذْوي كَرائمُهُ

إلا على سُوقِها في سائر الأبدِ

لِمِيتةِ السِّيْفِ قَوْمٌ يشْرُفُونَ بها

لَيْسوا من المجْدِ في غاياتِه البُعَدِ

عزُّ الحياة وعزُّ الموْت ما اجْتَمعا

أسْنَى وأَبْنَى لِبَيْت العِزِّ ذي العُمُدِ

مَوْتُ السَّلامة للإنسان نَعْلَمُهُ

وإنَّما القِتْلةُ الشَّنْعاءُ للأَسَدِ

لم يُعْمِل السَّيْفَ ظُلماً في ضَرائبه

فلم يُسَلَّطْ عليه سيفُ ذي قَوَدِ

لا تَبْعَدَنَّ أبا العباس من مَلِكٍ

وإنْ نأيْتَ وإن أصْبحتَ في البَعَدِ

غادَرْتَ حوْضَ المنايا إذْ شَربْتَ بِهِ

عذْبَ المذاق كذوب الشَّهْد بالبَردِ

وإنَّ فَضْلَةَ كأْسٍ أنتَ مُفْضِلُها

لَذاتُ بَرْدٍ على الأحْشَاء والكَبدِ

ما متَّ بل مات أهلُ الأرْض كلُّهمُ

إذ بنتَ منْهم وكنت الروح في الجسدِ

فأنت أولى وإن أصْبحت في جَدَثٍ

بأن تُعَزَّى بأهل الوَعْث والجَدَدِ

كم من مصائبَ كان الدهرُ أخْلَقَها

أضحى بك النَّاسُ في أثوابها الجُدُدِ

من بين باكٍ له عينٌ تساعده

وبين آخر مَطْويٍّ على كمدِ

فَعَبْرَةٌ في حُدُور لا رُقُوء لها

وزفْرةٌ تملأ الأحْشاء في صَعَدِ

سوَّيْتَ في الحُزْن بين العالَمينَ كما

سوَّيْتَ بينهُم في العيشَة الرَّغَدِ

بثَثْتَ شَجْوَكَ فيهم إذ فُقدْتَ كما

بثثت رفْدَكَ فيهم غَيْر مُفْتَقَدِ

عَدْلا حياةٍ وموْتٍ منْك لو وُزِنا

هَذَا بهذَاك لم يَنْقُصْ ولم يَزدِ

قدْ كنتَ أَنْسَيْتَهُمْ أن يذْكُروا حَزَناً

فَاليوم ينْسَوْن ذكْرَ الصبْر والجلدِ

نَكَأْتَ منهم كُلُوماً كان يَكلِمُها

رَيْبُ الزمان فتأسوها بخَيْرِ يَدِ

عجبتُ للأرض لم تَرْجُفْ جوانبُها

وللجبال الرَّواسِي كيْفَ لمْ تَمِدِ

عجِبتُ للشمس لم تُكْسَفْ لمهْلِكِهِ

وهْوَ الضِّياء الذي لولاه لم تَقِدِ

هَلّا وَفَتْ كوفاء البدر فادَّرَعَتْ

ثوبَ الكُسُوف فلم تُشْرقْ على بلدِ

لا ظُلْمَ لَوْ شَاهَدَتْ من حال مَصْرَعه

ما شاهَدَ البدرُ لم تشرق ولم تَكَدِ


إن المنية لا تبقي على أحد - ابن الرومي