الشعر العربي

قصائد بالعربية

لا أمنع الدمع أن يهمى وأن يكفا

لا أمنع الدمع أن يهمى وأن يكفا

ولا أزال ربع الحزن معتكفا

فإن رزئيَ رزءٌ لو بكيت له

دم الحشا ما كفى لو سال أو وكفا

ولو أقدَّ صدار الصَّدر عن كبدي

لم يصبح الوجدُ مني فيه مُنتصفا

فيا مريدَ اصطباري لا تردْ شططا

هيهات تبصرني بالصبر متصفا

أذهب سليماً ودعني آلفاً شجَني

فإن مثلي للأشجانِ من ألِفا

أو فآجبر اليومَ بالبكاء معي

إن كان يجبر قلبٌ بعدما تَلَفا

وساعدْ النادبَ الثكلان محتسبا

وجاذب الصب من أشجانه طرفا

إن المساعدَ عند الكرب كل فتى

حاز العلا كلها التلد والطُّرفا

لا تلتفت نحو سال قام يعذلني

جهلاً فما جاهل شيئاً كمن عرفا

يحسن الصبر من لو كان يعرف ما

ألقاه قال بحسن الصبر واعترفا

فدعه وانظر بعيني راحم لترى

ما بال بالي ببلبالي قد أنكسفا

واسمع أقص الذي قد قص قادمتي

وقدّ قلبي وركني هد وانتسفا

إني دهيت بما حلمٍ الحليم له

كالطود إن خف من روعاته وهفا

وخاطبتني خطوب الدهر معلنة

بالرزء كيما أبث البث واللهفا

هبت رياح المنايا وهي عاصفة

وزعزع الموت لا يبقى إذا عصفا

فصادفت أصل ايجادي وقد نحتت

أيامه عوده فأنهد وانقصفا

وغال غول الردى شيخي فوا أسفا

لو كان ينفع شيءٌ قول وأأسفا

هو المصاب الذي قد صاب عارضه

رجا رجائي فمسناه قد انخسفا

أقام رسم الأسى عندي وجدده

رسم تغير في دار البلى وعفا

فعود جسمي ذاو من تذكره

فكيف ينعم فرع أصله انجعفا

والمرء جزء أبوه وإذا

ما أفرد الجزء عن كليه ضعفا

وكل فاقد شخصٍ يرتجى خلفَا

منه ولا يرتجى ابنٌ من أب خلفا

آليت أبكي فقيداً لست أخلفه

ما عشت والبرّ من قد برَّ إذ حلفا

أبى مصابُ أبي مني السلوّ فيا

قلبي وجفني قفا نبك الحبيب قفا

أودى غريباً ولم ينزح به وطن

إلا كشأوي جواد بالمدى وقفا

يا غربةَ جرها والدار مكتئبَ

صرف من الدهر عن أوطاننا صرفا

إذ صار فيهنَّ دين الحق مغتربا

يرتاعُ إن صدَّ ناب الكفر أو صدفا

وذل جانبه من بعد عزته

فلا نصير يرى نصر الهدى شرفا

أين الألى رفعوا أعلام ملتنا

حتى أرتقت شرفاً للمجد أو شرفا

وأخرجوا الكفر من جنات أندلس

وأورثوا الدين منها الروضة الأنفا

نفوا من الأرض طاغوتاً وطاغية

وأرغموا أنفاً قد أشربت أنفا

وأشرقوا بجريعات اللمى غصصا

عدا أغصُّوا نواحي الدهر والصدفا

أزمانَ أشرق من أنوار رشدهم

على الجزيرة نور أذهبَ السدفا

الفاتحوها وما كانت مفاتِحها

إلا الصوارم والخطية الرَّعفا

والحابسون عليها أنفساً صبراً

لدى الكفاح فلا ميلاً ولا كشفا

أولئك السلف الأعلون ذكرهم

باقٍ وإن كان ماضي عصرهم سلفا

يا قَّدسَ الله منهم معشراً كرماً

بذَّتْ مآثرهم أوصاف من وصفا

شريعة الشرع فينا بعدهم كدرتْ

وكم حلا وردها قدماً بهم وصفا

لو أبصروا كيف حال الحال بعدهم

رقوا لنا وأراقوا الأدمع الذرفا

ولو أطاقُوا لقاموا من قُبورهم

حتى يعيدوا زمان الفتح مؤتنَفا

يا حسرتَا لبلاد عنهم ورثت

وإرثها اليوم عنا للعدى صرفا

ويالمرسيةَ الغراء من بلدٍ

أضحى منيراً وأمسى نورهُ خسفا

وكان صافية للدين خالصةً

فشارك الشرك فيه ملة الحُنفا

ويا لجامعِها الأعلى لقد وضعتْ

منه مجاورة التثليث ما شرُفا

يكاد يخرسُ أصوات الأذان به

صوتُ النواقيس والقسيس إن هتفا

عهدي بمعهده الأسنى وكنت له

أَفِي لوان زماني بالعهود وفيُّ

إذ كنت أشهدُ أطراف النهار به

مع المصلّي وليلاً أشهد الزُّلفا

جاورتُ منه جماناً كان مجتمعاً

لبهجة الدين والدنيا ومؤتلفا

أخوضُ في رحمة فاضتْ لديه وقد

أجول في خُرفة الجنات مخترفا

حيناً إلى أن أتى ريبُ الزمان بما

جلا أمانَ ذوي الإيمان أو جلفا

فإذ رأيت أموراً كلُّها تلف

فررت لله كيما آمن التلفا

هجرتُ داري وأحبابي ومن شِيمي

وصلُ المهاجر أما خانني وجفا

لكن دعا الأمر بي هاجرْ فطرت له

وأوجفَ الركب بالقلب الذي وجفا

ما شرتُ غير بريد ثم ثبّطني

سرٌ أسرَّ إلى الإقدار أن أقفا

أقمت حولا أنادي للرحيل أبي

وكان منه رحيل الموت قد أزفا

ما زلتُ أجذبه والدار تجذِبه

فآتيا سبقاً نحوي ومنَصِرِفا

فجاء أوريولةً يوماً كعادته

يطيع قلباً بحبي كان قد شغفا

وخاف وقع الرَّدى والشمل منتشر

وخفته فأتاني شاكياً دنفا

أقام تسعَ ليال ما وجدت له

فيها شفاء ولا صدرُ المشوق شفاً

عالجته راجياً ابراءَ علته

وكيف يبرأ مشفٍ واقفٌ بشفا

أبدى سكوناً وكربُ الموت يَنشُده

فخلته غفلتْ أوجاعه فغفا

بينا أعلله من سكرةٍ غشيتْ

لم أدرِ كيف كخطف البارق أختُطفا

أدار ساقيه أكواس الحمام له

ونحن ننظر لم نعلم متى نزفا

وكان أقرب منا إذ نطيفٌ به

إليه من قد دنا للقبض وازدَلَفا

وغُطّي الأمر عن أبصارنا وله

غطاؤه عن عيان الأمر قد كشفا

ومات حيث قضى الرحمن ميتته

نائي المحلة عن ربع به كلفا

ما أعجب الحين والمقدار انهما

ما اختل حكمهما يوماً ولا اختلفا

كل إلى أجلٍ يجري فمصرعه

ويومه في كتاب الله قد عُرفا

ومن قضى الله في أرض منيَّته

ينخْ بها راضياً أوكارها شنفا

هي المقادير والأحكام قد سبقتْ

فضل من ظن ما يأتي به أنفَا

والغيب محتجب عنا فليس تَرَى

من خائضٍ فيه إلا جاهلاً سَرَفا

في مرية من لقاء الله ذو كذبِ

ألقى القناع مراءً فيه أو صلفا

علمٌ تفرد علام الغيوبِ به

أيقبل العقل أن يبديه منكشفا

والله ما علمت نفسٌ لما خلقت

ولا درى بمكان الحتف من حتفا

كم حافرٍ قبره في رأس ميفعة

وقبره في حضيض الأرض قد نَجفا

وذاك سر لطيف إن تدبَّره

ذو فطنة فهم السّر الذي انحذفا

معادنٌ جذبت شتى جواهرَها

حتى لصارت لها ضنا بها صَدفا

ما أنها آية تلتاح ظاهرة

الا لمن صدعنها أو لمن صدفا

من شف جوهره يفهمْ حقيقتها

وليس يفهمه من طبعه كَثُفا

لله في خلقه حكمٌ بحكمته

تفرق الروح والجسمان وأتلفا

معنى به طينة قد شرُفت

إذا يزول تُساوى الطين والخزفا

يفنى الترابي حتى لا بقاء له

وعزُّ علويّه عنه الفناءَ نفى

قضيةٌ رجم الناس الظنون لها

فعارف سرَّها أو جاهل هَرفا

وكيفما قيل قلنا إنه نبأٌ

يجلّ موصوفه عما به وصفا

يغني المشاهد منه عن مغيبه

خرمُ النِّظام وتهديمُ الذي رصفا

لو لم يكن غير إعدام الوجود واس

كان اللحود كفى وعظاً لم حصفا

فكيفَ والموتُ فيما بعده جللٌ

أجل من سابق الأهوال ما رَدِفا

وموقفُ الحشر ينسى ما تقدمه

وحدّة الجسر تنسى حَد ما رهفا

وكل روعٍ فأمنٌ حين تنسبه

لروعِ من لسؤال الله قد وُقفا

وضاحك ملء فيه لو درى لبكى

دمَ الفؤاد إذا ما دمعه نزفا

الأمر أمرٌ وهذا الخلق في عمه

أو في عمى يخبط الظلماءَ معتسفا

يا راكب الليل قد شارفت معطبة

عرج على النهج واترك ذلك الجرفا

هذي السبيل فدعْها في أزمَّتها

يدني التقاذفُ منها بلدةً قذفا

الموت غايتها والموت منزلها

فهل ترى سيرها عن قصدها انحرفا

تالله ما غرد الحادي ولا خفيت

أثار أولها عمن تلا وقفا

ويح المقيم بدار وهو مرتحل

ما حلَّ مذ حل رحلاه ولا أكَفا

فقل لبانٍ على ظهر الطريق بنى

مإذا الغرور أجهلاً كان أم سخفا

لا تنخدعْ ببنا الدنيا ولو جعلتْ

لكل بيتٍ بنتْ من فضةٍ سقفا

ففي فناء الفنى تبنى وليس لها

إلا الضلال ظلال ظللّت كُثفا

من نضّ عن ظلها زهداً فذاك فتى

يضحى وظلُّ العلا من فوقه وَرّفا

فعف عنها كما عف الكرام وعف

موارداً سمُّها في شربها قرفا

بعداً لها وعفت رسما منازلها

فكم عفت رسم جمع قدوفي وعفا

وعاقبت من يربى في البرية لم

يذنب وربما عن ذي الذنوب عفا

وأعقبت من سرور مونق حزناً

ومن نضارة عيش رائق قشفا

وكم أبادت وكم أفنت وكم قصمت

ظهراً وكم فصمت عقداً غدا حصفا

ختارةٌ سلمها حرب ومأمنها

هو المخاف فمن يأمن به ثففا

ختالة نصبت فينا حبائلها

وحُبُّها حبَها من يلتقط لقفا

فتانة من يمل يوماً لفتنتها

هوىً هوى في مهاوي الهلك قد خسفا

قتالة لبنيها كلما قدرت

عليهمُ جردت أسيافها الرهفا

ظلامة قد قست قلباً فسيرتها

فيمن يلين فؤاداً غلظة وجفا

وخيمة الخيم من يرتع بمرتعها

يمت فساد مزاج أو يمت عجفا

بينا تريك رياض الأرض مؤنقة

عادت هشيماً كأن النيت ما وهفا

إذا رجا عندها السراء آملها

إرتج جانبها بالحزن وارتجفا

مرمى تناضل فيه الحادثات فمن

تصبه تنصبه في عرض الردى هدفا

تصمي سهامُ المنايا من تمرُّ به

إن غافلاً أو إن حازماً ثقفا

تمضي إذا ما القضاءُ الحتم أرسلَها

فتنفذُ اللأمة القضَّاء والحَجفا

كيف التَّوقي ولا يغنى الحِذار ولا

ينجي الفِرار إذا ما خطبها أكتَنفَا

من ذا يقومُ لأحداثِ الزمان ومن

يقاومُ الجحفلَ الجرار إن زحفا

سيل جحاف فلا سهل ولا جبل

إلا أجاح مكاناً منه إن جحفا

ريبُ المنون له وطء على حنق

كطالب الثأر يلفى غاضباً أسفا

ما إن يراعي ولا يرعى على أحد

يُردي المسود معاً ناعماً ترفا

ولا يرقُّ لطفل في طفولته

ولا لشيخٍ بقيَد الضعف قد رسفا

ولا تواضعُ ذي التقوى يمانعه

ولا تكبر ذي الطغوى إذا خجَفا

ولا المسيمُ بواد منه مستترٌ

ولا الذي منه يتبع الشعفا

ولا يبالي كناسَ الظبى يطرقه

أم يطرق الخيس فيه الليث والغرفا

الصعب سهل إذا ما كان يطلبهُ

والعلو سفل وكالإصباح كلُّ خفا

يستنزلُّ الطير وابن اليمِّ يخرجه

هاو من الجو أو فوق المياه طفا

وأُعصمٌ بالذرى يلفيه معتصما

يلقيه في ذمة الموَّار قد سَهفا

وينتهي بالدَّواهي كل داهيةٍ

حتى ليسقي السمام الحية الحصفا

ويوردُ الحوضَ مكروهاً مذاقتهُ

ويرغم الأنفَ من ذي عزةٍ أنفا

ساء الردى ثم ساوى في حكومته

أيبتغي العدل في الأحكام من عسفا

ما جار بل جاء والمقدارُ سائقُه

إما ترفِّق حين السوق أو عنفاً

والحين طيَّ ضمير الحينِ مكتتم

أو حرف أوله في شكله حُرفا

وذا الأنامُ نبات شاه منبته

إن النبات إذا ما ينتهي قطفا

وجود شيء كلا شيءٍ حقيقتُه

فانظره ترباً واذْكر حاله نطفا

فليت شعري من يدري نهايتَه

والبدء كيف ازدَهاه التيه وازدهفا

فإن من العيش يلتاعُ البقاء به

لو لم نبدّده في هذي الدّنا سرَفا

وفي التفاني تفاني صبرُ مصطبرٍ

أطار فرط الأسى عنه الحِجا وسَفا

وكل ما علقتْ كفَّ الفناء به

فحقه أن يطيلَ الحزنَ والأسفا

فللسماء بكاء من تفطرها

والأرض تنشق عن قلب لها رجفا

والشمسُ خوف الردى تصفر آفلة

والبدر من ذاك أبدى وجهه كلَفا

والشهب ترعِد ذعراً من توُّقعها

نثراً يعيد سنى الأنوار منكسِفا

يا ابني أبي لا تكونا في مصابكما

كمثل من نكرَ الأحزان أو نكفا

يا ابني أبي أسعِدا بالله صنوَكما

بعبرةٍ تفضح الهطَّالة الوكفا

ولا تملاّ بكاء طول دهر كما

على أب لم يمل الرحم والرأفا

غذى وربّى وأولى كل عارفةٍ

وبالحنانِ لنا في ظله كنفا

وحاط واحتاط والرحمن يشكره

وفي جناب الرضا وطا لنا كنفا

وكان أن ألمٌ يوماً ألم بنا

يظل منكسر الأضلاع منقصفا

مسهدَ الجفن لا ترمش مدامعهُ

كأنما طرفّه من دوننا طرفا

ما كان يرضى سُلواً لو أصيب بنا

فإن سلوناه لا عدلاً ولا نصفا

أما أنا فلو أني بعد مهلكةٍ

سال لألزمتُ نفس الإثم والجنفا

وكنت كافرَ نعماه وخالع ما

به عليَّ من أثواب الرشاد ضفا

أيام علّمني التنزيل يمنحني

منه الهدى وعلى أخذي له اللطفا

قد كان علة كوني ثم رشّحني

إلى الحياة التي أرجو بها الزُّلفا

حيث القرار الذي قد كان مسكنَنا

من قبل أن يخصفَ الأوراق من خصفا

دارٌ بها ملتقى الأحباب إن سعدوا

تنسى الشقاء وينسى نضنها الشظفا

يا رب جاز أبي عني الخلود بها

يا رب بوِّئه من فردوسها الغرفا

يا رب واجعلْ له في القبر منفسحا

وروضةً ترتضى نشراً ومقتَصفا

يا ربّ نوِّر له ظلماء وحشته

يا رب اتحِفه من ايناسك التحفا

يا رب عرفه رضواناً ومغفرةً

يا رب الحفه من استبرقٍ لحفا

يا رب جده من الرحمى بأكرمها

سحاً واحسنها فوق الزبا وطفا

يا رب نضِّره وجهاً في التراب وفي

يوم الحساب إذا ما يقرأ الصحفا

يا رب إن أبي عبدٌ ضعيف وقد

أتاك مولى كريماً يرحم الضعفا

فأمنن عليه بما أنت الكفيلُ به

يا رب وارأف بنا يا خير من رأفا

وجمِّع الشمل في دار القرار لنا

إذ تجمع السلف الأبرارَ والخلفا

واسمعْ دعائي واخصص بالسلام أبي

تحيةً طرسها بالمسك قد غُلفا

إذا انثنت نحوه مرَّت وقد عطفتْ

عطفاً على الروح والريحان قد عَطفا

وحدثته بما في صدر مكتئبٍ

أشواقه كلفته للأسى كلفا

ما إنْ له ملجأ فيما عراه سوى

يا حسبي الله فيما نابني وكفى


لا أمنع الدمع أن يهمى وأن يكفا - ابن الجنان